ابن عربي
14
فصوص الحكم
وكلما كان الكائن أعلى درجةً في الوجود من غيره ، أي كلما كان مظهراً لعدد أكبر من صفات الله وأسمائه ، كان أعظم في تسبيحه وتقديسه لله . والإنسان من بين الكائنات كلها هو الذي يسبح الله ويقدسه أعلى مراتب التسبيح والتقديس ، لأنه مظهر الكمالات الإلهية جميعها . غير أن ما يسميه ابن عربي « كمالًا » يجب ألا يفهم منه الكمال الخلقي وحده ، بل الكمال عنده كل صفة وجودية ، أو كل صفة تحقق الوجود في ناحية من نواحيه سواء أكانت الصفة أخلاقية أم غير أخلاقية ، خيراً أم شراً . فالطاعة من العبد كمال وهي من مظاهر اسم المنعم أو اسم الرحيم أو ما شاكلهما من أسماء الجمال . والمعصية من العبد كمال أيضاً لأنها صفة وجودية وهي من مظاهر اسم الجبار أو المنتقم أو المعذب أو ما شاكلها . ومن هنا كانت الطبيعة الانسانية أكمل من طبيعة الملائكة لأنها تحقق من معاني الوجود ما لا تحققه الطبيعة الملائكية . فطبيعة الإنسان بدنية روحية معاً ، وطبيعة الملائكة روحية فقط . قارن الفص السابع عشر في شرح المؤلف للآية « وإِنْ من شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه » ( س 17 آية 44 ) . ( 9 ) « اعلم أن الأمور الكلية . . . فهي باطنة لا تزال عن الوجود العيني » . الأمور الكلية هي المعقولات أو المثل في فلسفة أفلاطون ، والمراد بها هنا الصفات الإلهية المتجلية في الخلق على نسب متفاوتة . ولابن عربي رأي خاص في وجودها يختلف تماماً عن رأي أفلاطون في المثل . فالأمور الكلية في مذهبه معان عقلية ليس لها وجود عيني - أي خارجي - مستقل عن الأشياء التي لها حكم فيها ونسبة إليها ، ولكن لها أثراً في كل ما له وجود عيني . وقوله « فهي باطنة لا تزال عن الوجود العيني » يمكن قراءته فهي باطنة لا تزال ( بفتح تاء تزال ) أي فهي باطنة عن الوجود العيني لا تزال كذلك . ويمكن قراءتها لا تزال ( بضم التاء ) أي لا تنمحي